عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

444

اللباب في علوم الكتاب

الثاني : أنّ المحاسبة عبارة عن المجازاة ؛ قال - تبارك وتعالى - : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً [ الطلاق : 8 ] ، ووجه المجاز : أنّ الحساب سبب للأخذ والعطاء ، وإطلاق اسم السّبب على المسبّب جائز ؛ فحسن إطلاق لفظ الحساب على المجازاة . الثالث : أنّه تعالى يكلّم العباد في أحوال أعمالهم ، وكيفيّة ما لها من الثّواب والعقاب ، فمن قال : إن كلامه ليس بحرف ولا صوت ، قال : إنّه تعالى يخلق في أذن المكلّف سمعا يسمع به كلامه القديم ؛ كما أنّه يخلق في عينيه رؤية يرى بها ذاته القديمة ، ومن قال : إنه صوت ، قال : إنّه - تعالى - يخلق كلاما يسمعه كلّ مكلّف ، إمّا بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كلّ واحد منهم ، أو في جسم يقرب من أذنه ، بحيث لا تبلغ قوّة ذلك الصوت أن تمنع الغير من فهم ما كلّف به ، واللّه أعلم . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 203 إلى 206 ] وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 203 ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 204 ) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( 205 ) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ( 206 ) قوله : « معدودات » : صفة لأيام ، وقد تقدّم أن صفة ما لا يعقل يطّرد جمعها بالألف والتاء ، وقد ذكر أبو البقاء هنا سؤالا ؛ فقال : إن قيل « الأيّام » واحدها « يوم » و « المعدودات » واحدتها « معدودة » ، واليوم لا يوصف بمعدودة ، لأنّ الصفة هنا مؤنثة ، والموصوف مذكّر ، وإنما الوجه أن يقال : « أيّام معدودة » فتصف الجمع بالمؤنث ، فالجواب أنه أجرى « معدودات » على لفظ « أيّام » ، وقابل الجمع بالجمع مجازا ، والأصل « معدودة » ؛ كما قال : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] ، ولو قيل : إن الأيام تشتمل على السّاعات ، والساعة مؤنّثة ، فجاء الجمع على معنى ساعات الأيّام ، وفيه تنبيه على الأمر بالذّكر في كلّ ساعات هذه الأيام ، أو في معظمها ، لكان جوابا سديدا ، ونظير ذلك الشهر والصّيف والشتاء ؛ فإنها يجاب بها عن « كم » ، و « كم » إنما يجاب عنها بالعدد ، وألفاظ هذه الأشياء ليست عددا ، وإنما هي أسماء المعدودات ، فكانت جوابا من هذا الوجه . قال شهاب الدين وهذا تطويل من غير فائدة ، وقوله « مفرد معدودات معدودة بالتأنيث » ممنوع ، بل مفردها « معدود » بالتذكير ، ولا يضرّ جمعه بالألف والتاء ، إذ الجمع بالألف والتاء لا يستدعي تأنيث المفرد ؛ ألا ترى إلى قولهم : حمّامات وسجلّات وسرادقات .